الاثنين 02 فبراير 2026 آخر تحديث: الأحد 1 فبراير 2026
مجيب الرحمن الوصابي
اليَمنُ كلُّهُ جَنَوْبٌ... الجَنوبُ كُلّهُ يَمَنٌ؟!!.... قِراءةٌ في صِراعِ الهُويّة ووجعِ الجُغرافيا.
الساعة 21:16
مجيب الرحمن الوصابي

إنَّ الاعترافَ بأنّ اليمنَ هو الجنوبُ كلّهُ، حقيقة مُزلزلةٌ تُربك الجميع وتكشف هشاشة الاصطفافات العبثية المعاصرة. قد ينالني سخطُ القومِ... لِيكُنْ !...  لكنّها المُكاشفة التي تُعرّي تُجار الهُويّة؛ فهي تسحب البساط من تحت أقدام دعاة (الانفصال السهل) الذين يحاولون بتر التاريخ عن سياقه، وتُربك في المقابل دعاة (الوحدة المطلقة) الذين يحبسون الروح في قفص القداسة السياسية. هذا الاعتراف يسلبُ الجميع سلاحهم الأثير: الشرعيّة التاريخيّة المزعومة والمتوهمة.

ما نعيشه اليوم ليس خلافاً على الماضي، بل هو (تعدٍّ) سافر عليه لقمع الحاضر. لقد تحوّل الجنوبُ إلى هُوية ولدت في خضم المواجهة لا في كنَف السيادة؛ هُوية صراعية لا هوية دولة. وهنا تكمن المفارقة: نحن نستدعي اليوم هوية تشكلت في لحظات الصدام، لنقطع الطريق على أي نقاش عقلاني حول المستقبل. وحين تعجز السياسة عن انتزاع شرعيتها من واقع الناس، تسرقها من بطون الكتب، وتُدوِّر الماضي بوصفه (قدراً) لا مفرّ منه.

بالعودة إلى البدء، لم يكن (اليمن) يوماً اسمًا لدولة عابرة، بل كان إعلاناً عن هوية الأرض في ميزان الوجود. فاليمن في لسان العرب والمعاجم اللسانية، هو (الجنوب) بامتياز؛ وحتى في لهجات بعض اليمن إلى يومنا، هو المدى الذي انحاز لجهة البركة واليُمن، فصار سقفاً جامعاً لكلّ ما سكن تحت هامة الشمس في جنوب الجزيرة. لقد ولدت هذه التسمية مرآةً للجغرافيا قبل أن تُلوّثها الحسابات السياسية؛ فاليمن بمعناه (القاموسي) هو الجنوب المطلق الذي لا تحدُّه الجدران ولا تضيق به أخيلة الحدود...

إنّ استعادة صفة (الجنوبية) لليمن ليست ارتداداً نحو الانقسام، بل هي عودة إلى (الأصل) الذي استقر في الوعي قبل ظهور الدول. هو الوطن الذي مزج فيه (الهمداني) بين عبقرية المكان وأمجاد الإنسان، ليجعل من الجنوب هوية لا تقبل المحو. وحين نهتف اليوم بأنّ "اليَمنَ كلَّهُ جَنَوْبٌ، والجَنوبَ كُلّهُ يَمَنٌ... اليَمنُ كلُّهُ جَنَوْبٌ... فنحن نعيد الاعتبار لاسمٍ وفد من الشمال ليصف عظمة هذه الأرض، فصار بيتاً يسكننا قبل أن نسكنه. إنها دعوة لتحرير الجنوب من ضيق الجغرافيا المعاصرة وإعادته إلى رحابته التاريخية؛ حيث اليمن هو الجنوب، والجنوب هو اليمن، في وحدة حالٍ لسانية لا يفرقها تقلُّب الزمان.

في النهاية، ثمة حقيقة مُرة يجب أن تُقال بوضوح: اليمن اليوم دولة حديثة بهشاشتها وصراعاتها، أما اليمن في التاريخ فقد كان هو (الجنوب) وحسب. اليمن لم يكن دولة فتمزَّق، ولم يكن وحدة فاندثر، بل كان جنوباً واسعاً... ضيّقته الحسابات السياسية الصغيرة، ثم تقاتلت على ما تبقى من أطلاله.

 

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص