الاثنين 16 فبراير 2026 آخر تحديث: الاثنين 16 فبراير 2026
محمود الطاهر
السيادة الجوية.. معركة الدولة المؤجلة
الساعة 19:44
محمود الطاهر

لم تعد أزمة الطيران في اليمن أزمة سفر أو مطارات معطلة.. ما يجري في السماء اليمنية هو عنوان مكثف لأزمة الدولة نفسها.

ففي الوقت الذي يفترض أن يكون المجال الجوي أحد أبرز تجليات السيادة، تحوّل إلى مساحة نفوذ خارج إطار الدولة؛ تُدار فيها الحركة الجوية وفق ميزان القوة، لا وفق القانون.

بعد استهداف طائرات الخطوط الجوية اليمنية في صنعاء، وتعثر تشغيل مطار المخا رغم اكتمال جاهزيته، ووصول التهديد إلى حد إسقاط الرحلات المدنية، ترسّخت معادلة صادمة، القرار في الجو لم يعد قرار دولة.

بهذا المعنى، لم تعد السماء اليمنية مجرد فضاء جغرافي؛ بل أصبحت موردًا سياسيًا واقتصاديًا وأداة سيطرة.

من يفتح الرحلات يملك ورقة تفاوض، ومن يغلقها يملك قدرة الضغط، ومن يحتكرها يحصد الإيرادات ويُفرض نفسه كسلطة أمر واقع.

السيادة هنا لم تُنتزع فقط بقوة السلاح؛ بل أيضًا بعجز البديل.

فحين طُرحت فكرة نقل إدارة المجال الجوي إلى الحكومة اليمنية، لم يسقط المشروع أمام قوة الحوثي، بل اصطدم بانقسامات القوى المناهضة له.

طرح مأرب بأن تكون البديل لمراقبة الطيران، أثار مخاوف جنوبية من تمكين نفوذ الإخوان المسلمين، وعندما كان البديل عدن أثار مخاوف مقابلة من تكريس واقع انفصالي محتمل.

وأخيرا طرح المخا قوبل برفض إخواني كبير، خشية أن يتحول إلى مركز سيادي صاعد بيد طارق صالح.. هكذا تحولت معركة استعادة السيادة إلى صراع حول من سيرثها.

لم يكن السؤال: كيف ننتزع المجال الجوي من المليشيا بل أصبح لمن نُسلمه بعد انتزاعه؟

في تلك اللحظة، تجمّد القرار.. وبقيت السماء خارج الدولة.

لم تنتصر المليشيا لأنها الأقوى فقط؛ بل لأن خصومها فشلوا في الاتفاق على شكل الدولة التي يريدون استعادتها.

وهنا تكمن الخطورة.. فاستمرار الوضع الحالي لا يعني فقط فقدان السيطرة الجوية، بل يعني ترسيخ نموذج «الدولة البديلة»؛ حيث تتحول الوظائف السيادية إلى موارد خارج مؤسسات الدولة.

السكوت على ذلك يفتح الباب لتحولات أعمق، تتجاوز الطيران إلى بقية مفاصل السيادة.

استعادة الدولة تبدأ من استعادة وظائفها، لا من الشعارات حولها.

ولذلك فإن استعادة المجال الجوي ليست قضية فنية، بل خطوة تأسيسية في إعادة بناء الشرعية الفعلية.

يتطلب ذلك أولًا إخراج ملف الطيران من التجاذبات المناطقية والحزبية، والتعامل معه كملف سيادي لا كجائزة سياسية.

كما يتطلب إنشاء مظلة إدارة وطنية مشتركة للمجال الجوي، تُدار بقرار حكومي جامع وتحت إشراف دولي مرحلي، بما يبدد مخاوف الاحتكار الداخلي ويمنع توظيف الملف لصالح أي طرف.

إضافة إلى ذلك، ينبغي فصل إدارة الملاحة الجوية عن مواقع النفوذ العسكري أو الحزبي، وربطها بهيكل وطني مهني يعمل وفق معايير فنية وقانونية، لا وفق موازين القوة المحلية.

كما أن إعادة تشغيل مطارات خارج سيطرة المليشيا الحوثية، يجب أن تتم ضمن رؤية سيادية متكاملة، لا كمشاريع مناطقية متنافسة؛ بحيث تصبح هذه المطارات أدوات لاستعادة الدولة، لا منصات لتعزيز الانقسام.

إن بناء الثقة بين مكونات المعسكر المناهض للحوثي لن يتحقق عبر تقاسم النفوذ، بل عبر تقاسم المسؤولية.

فالخوف من صعود طرف داخلي لا يمكن أن يبرر استمرار بقاء السيادة بيد المليشيا.

اللحظة تفرض إعادة تعريف الأولويات.

ليس المطلوب من يمتلك المجال الجوي؛ بل كيف يعود إلى الدولة.

وليس المهم أين تُدار الملاحة؛ بل تحت أي شرعية تُدار.

فالسماء التي تُترك خارج الدولة اليوم، قد تتحول غدًا إلى نموذج دائم لسلطات موازية.

ومن هنا، فإن معركة استعادة المجال الجوي ليست معركة مطار؛ بل معركة استعادة الدولة نفسها.

الدولة لا تُستعاد دفعة واحدة.

لكنها تبدأ من استعادة سيادتها… من السماء إلى الأرض.

* محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص