الأحد 09 أغسطس 2026 آخر تحديث: الأحد 9 أغسطس 2026
منيف الهلالي
عدوى التعصب الرياضي
الساعة 16:18
منيف الهلالي

 

في مونديال قطر، كنت أشجع الأرجنتين منذ ومضته الأولى حتى اللحظة التي اعتلت فيها عرش العالم في تلك المبارأة المجنونة أمام فرنسا.

كنت اتابع الرحلة كما يتتبع العاشق نجمة أختارت أن تشق عتمة الدجى نحو المصير، مؤمناً بأن بعض الحكايات كُتبت لتكتمل مهما تعثرت الطريق إليها، ومهما ناكفتها الصدف. 

وقد تشاجرت كثيراً مع ابني جلال، الذي كان يشجع منتخب الديوك بشغف لا يقل عن شغفي براقصي التانجو حتى أنني لم أستطع، في لحظات التوتر القصوى، أن أتقبل وجوده إلى جواري ونحن نراقب فصول النهائي تتوالى كأنها مشاهد من ملحمة إغريقية لا تعرف الرحمة، ولا تعترف بالنهايات السهلة.

 

صحيح أن قلبي كان يميل إلى #دي_ماريا، كغصن يعرف جهة الريح، لكن ذلك لم يمنعني من أن أرى #ميسي بعين الرضا وهو يحتفل بالأهداف كمن يسترد قطعة ثمينة تاهت منه، بل أن رؤيته يقترب من الكأس كانت غاية في ذاتها، وكأن البطولة كانت تبحث عنه أكثر مما كان يبحث عنها، في مطاردة صامتة بين الحلم ومن يستحقه.

 

لكنني في هذا المونديال، وبعد تأثري بصديقين عزيزين، من أولئك البرشلونيين الذين لا يرون في ريال مدريد إلا نقيضًا لكل جميل، اكتشفت أنني أُصبت بعدوى من نوعٍ آخر، عدوى لا ترى، لكنها تعير ملامح الرؤية من الداخل. فمع أنني كنتُ مدريدي الهوى، أُفرّق بين الانتماء والإعجاب، تسلّل إليّ شيء من مزاجيهما الكروي كما يتسلل المساء إلى أطراف النهار، حتى فقدت كثيراً من اعتدالي، وصرت أنظر إلى النجوم والمنتخبات بعين الانتماء قبل عين المتعة، وأزن اللعبة بميزان العاطفة لا بميزان الدهشة

 

وينسحب هذا الشعور أيضاً على نجمهما المفضل لامين يامال، وعلى منتخب إسبانيا الذي بدا، للمرة الأولى تقريباً، أقرب إلى مرآة تعكس روح برشلونة وحده، حتى خُيّل للمتابع أن خيطاً رفيعاً انقطع بين “لا روخا” وبعض ألوان مدريد، كأن التأريخ نفسه تردد لحظة، ثم اختار أن يميل.

 

هي عدوى تسللت إليّ من الحبيبين، وما أظنها ستبرأ قريباً. لن تشفى إلا إذا حقق #مبابي الثنائية التي يحلم بها، أو نال فينيسيوس ما يطمح إليه من مجد فردي وجماعي، أو اكتمل حلم الدون كريستيانو؛ ذلك الحلم الذي ما يزال يطارده وهو يقاتل إلى جوار كوكبة مرعبة من النجوم، غير أنهم لا يحملون مشروعه الشخصي بالحماسة ذاتها التي حمل بها رفاق ميسي مشروع قائدهم حتى النهاية.

 

أما إن اختارت الكأس طريقها إلى إنجلترا، فهناك بيلينغهام، رمانة الوسط،  التي ينعقد عليها كثير من الأمل. وإن شاءت الأقدار أن تحط رحالها في المغرب، حيث إبراهيم دياز وأسود الأطلس، فستكون نعمةً أخرى يمرّ في عروقها نبضٌ ملكي، وتترك لريال مدريد نصيباً من الفخر في حكاية المجد.

 

لقد أكتشفت مؤخراً أن التشجيع، في نهاية الأمر، ليس موقفاً ثابتاً  بقدر ما هو كائنٌ حيّ يتبدّل ويهاجر من قلب إلى قلب. وما نسميه قناعة قد يكون أحياناً مجرد عدوى جميلة، تنتقل عبر الصداقات والكلمات، فتجعلنا نرى اللعبة نفسها بعيونٍ أخرى، وننحاز إلى الحكاية لا إلى الحقيقة.

ربما لم تكن تلك عدوى عابرة.. بل كانت الطريقة الوحيدة التي تذكّرني أنني، في كرة القدم كما في الحياة، لا أنتمي لمن أشجّع.. بل لمن يجعلني أشعر بأناي التي لا أعرفها.

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر