الثلاثاء 03 فبراير 2026 آخر تحديث: الثلاثاء 3 فبراير 2026
محمود الطاهر
اليمن بعد 2 ديسمبر.. هل تغيّر المسار دون إعلان؟
الساعة 19:32
محمود الطاهر

منذ الثاني من ديسمبر 2025، يمكن ملاحظة تحوّل لافت في طريقة التعاطي مع الملف اليمني، تحوّل لا يظهر في شكل قرارات رسمية أو مواقف معلنة، بقدر ما يتجلى في السلوك السياسي، وإدارة الأولويات، وتغيّر الخطاب الإعلامي، وطبيعة التفاعل مع الأحداث الجوهرية. 

هذا التاريخ لا يكتسب رمزيته من حدث منفرد، بل من كونه حدًّا فاصلًا بين مرحلتين مختلفتين في مقاربة الصراع اليمني.

قبل هذا التاريخ، كان اليمن يُدار سياسيًا وإعلاميًا بوصفه ساحة واحدة، حيث ظل الحوثي حاضرًا كخطر مركزي على الأمن الإقليمي، وكانت الحكومة اليمنية تُقدَّم باعتبارها الإطار الجامع لمشروع استعادة الدولة، كما كان التعامل مع اليمنيين في الفضاء الإعلامي والمهني يتم دون فرز مناطقي واضح.

بعد 2 ديسمبر 2025، بدأت تتشكل ملامح مقاربة مختلفة، لا تُعلن عن نفسها صراحة، لكنها تظهر بوضوح في النتائج.

في التحولات الاستراتيجية الكبرى، غالبًا ما يكون الإعلام أول مساحة تظهر فيها ملامح التغيير، فمنذ ما بعد 2 ديسمبر، طرأ تغيّر واضح على طبيعة الحضور اليمني في وسائل الإعلام المؤثرة، وعلى الملفات التي تحظى بالاهتمام أو يتم تهميشها. 

تراجع استضافة الأصوات القادمة من الشمال، وانكمش النقاش المتعلق بالحوثي، مقابل تصاعد التركيز على الجنوب بوصفه ملفًا مستقلًا بذاته، لا باعتباره جزءًا من معركة استعادة الدولة اليمنية.

هذا التحول لم يقتصر على الشاشات، بل امتد إلى طبيعة العلاقة المهنية مع الصحفيين اليمنيين، وإلى مستوى المشاركة اليمنية في المنتديات والمنصات الإعلامية الإقليمية، حيث بات الحضور محصورًا في نطاق جغرافي محدد، هذه المؤشرات، عند جمعها، تتجاوز التفسير التحريري أو التنظيمي، لتشير إلى إعادة ترتيب في دوائر الاهتمام، تعكس بدورها تغيّرًا في زاوية النظر إلى اليمن ككل.

كشف الاتجاه
أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في هذا السياق هو، هل جرى تجميد ملف تحرير الشمال دون إعلان رسمي؟
الإجابة لا تكمن في التصريحات، بل في طريقة التعامل مع الوقائع.

تعطيل أول رحلة تجارية لمطار المخا الدولي، والتهديد الصريح لسلامة الملاحة الجوية والركاب، شكّل حدثًا بالغ الخطورة، ليس فقط لأنه يمسّ منشأة مدنية حيوية تخدم أكثر من نصف سكان اليمن، بل لأنه يمثل كسرًا مباشرًا لأي محاولة لفك احتكار الحوثيين للمنافذ. 

ومع ذلك، جاء التعامل مع هذا التطور ببرود لافت؛ لم يُعقد اجتماع لمجلس الدفاع الوطني، ولم تُطرح مهلة سياسية، ولم تُربط الواقعة بمسار ردع واضح، بل جرى احتواؤها في إطار خبر عابر.

هذا النمط لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، حيث يبدو أن المواجهة مع الحوثي انتقلت، عمليًا، من كونها مشروع حسم، إلى كونها ملف إدارة مؤجلة.

وفي موازاة هذا التحول، برز عامل دولي لا يمكن تجاهله، تفكيك الآليات الأممية المرتبطة بوقف إطلاق النار في الحديدة، والتي نتجت عن اتفاق ستوكهولم، لا يعكس فقط فشلًا تقنيًا في إدارة التهدئة، بل يندرج ضمن بيئة دولية أوسع تُسهّل تجميد الصراع مع الحوثي بدل دفعه نحو حل جذري.

غياب الضغط الدولي الفعّال، والتعامل مع الخروقات كوقائع قابلة للاحتواء، أسهما في تكريس وضع تصبح فيه السيطرة الحوثية على الشمال أمرًا واقعًا مُدارًا، لا تحديًا مفتوحًا. 

في مثل هذه البيئة، لا يُطلب من الفاعلين الإقليميين الحسم، بل الاستقرار النسبي، حتى وإن كان هشًّا ومؤقتًا.

إدارة لا استعادة
في الوقت الذي انكمش فيه الاهتمام بالشمال، برز الجنوب كمساحة تركيز سياسي وإعلامي متزايد، وهو لا يبدو مرتبطًا بمشروع استعادة الدولة بقدر ما يرتبط بإدارة الواقع، وإعادة تعريف الشركاء، وضبط التوازنات. 

الجنوب هنا لا يُقدَّم كجزء من معركة واحدة، بل كملف قائم بذاته، له حساباته ومساراته المختلفة.

هذا الفصل العملي بين المسارين، حتى وإن لم يُعلن، يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل وحدة المعركة، ووحدة الهدف.

مقالي هذا لا يهدف إلى توجيه اتهامات أو قراءة نوايا، بقدر ما يسعى إلى لفت الانتباه إلى مآلات غير مقصودة قد يفضي إليها هذا المسار، فحين ينكمش التركيز على الحوثي، ويتحوّل الشمال إلى ملف مُجمّد، وتتراجع معركة استعادة الدولة لصالح إدارة الواقع، فإن المستفيد الأول من هذا الوضع هو الخطر الذي لم يُحسم.

يبقى الحوثي، بوصفه ذراعًا إيرانية نشطة على حدود المملكة، التهديد الحقيقي طويل الأمد، وأي مقاربة، مهما كانت دوافعها أو تعقيداتها، تُضعف مركزية هذا الخطر، أو تؤجل مواجهته دون أفق واضح، تستدعي مراجعة هادئة، لأن تجميد الصراع لا يعني زواله، بل قد يعني عودته في ظرف أكثر كلفة وتعقيدًا.

* محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص